فخر الدين الرازي

100

المطالب العالية من العلم الإلهي

والبرودة يتشاركان في كون كل واحد منهما أثرا لمؤثر مخصوص ، فثبت أن المشاركة في مفهوم المؤثرية وفي مفهوم الأثرية حاصلة . وأما المشاركة في خصوص ذات المؤثر وخصوص ذات الأثر فغير حاصلة ، فإن ذات النار مخالفة لذات الماء ، وحقيقة الحرارة مخالفة لحقيقة [ البرودة ، وإذا ثبت هذا ، لزم القطع بأن كون النار مؤثرة غير ، وكونها نارا غير ، وكذلك ] « 1 » كون الحرارة أثرا لمؤثر غير ، وكونها حرارة غير . الرابع : إنا إذا قلنا : قدرة اللّه ، قدرة اللّه . فهذا الكلام عبث لا يفيد فائدة ، أما إذا قلنا : قدرة اللّه مؤثرة في وجود العالم ، كان هذا الكلام مفيدا . فلو كان المفهوم من كون القدرة قدرة ، غير المفهوم من كونها مؤثرة في وجود العالم ، وجب أن لا يبقى البتة فرق بين الكلامين ، فظهر بهذا البرهان : أن التأثير مفهوم مغاير لذات المؤثر . بقي أن نقيم البرهان على أن تأثير المؤثر في الأثر ليس عين ذات الأثر ، فنقول : الذي يدل عليه وجوه : الأول : إنا إذا قلنا قدرة اللّه مؤثرة في وجود العالم ، كنا قد وصفنا قدرة اللّه تعالى بهذه المؤثرية ، ومعلوم بالضرورة أن العالم ليس صفة لقدرة اللّه ، ويلزم من مجموع هاتين المقدمتين القطع بأن قدرة اللّه تعالى في العالم ليست نفس العالم . الوجه الثاني في إبطال هذا الكلام : أنه إذا قيل لنا : لم وجد العالم ؟ كان جوابنا : إن قدرة اللّه تعالى اقتضت إيجاد العالم في الوجود ، [ فعللنا وجود العالم في الوجود ] « 2 » بأن اللّه تعالى أوجده ، فلو كان إيجاد اللّه للعالم عين العالم ، لكان قولنا : العالم إنما وجد بإيجاد اللّه تعالى معناه : أن العالم إنما وجد بنفسه ، ولو وجد العالم بنفسه لامتنع أن يقال : إنه وجد بإيجاد اللّه تعالى ، فثبت أنا لو فسرنا تأثير المؤثر في الأثر ، بنفس وجود ذلك الأثر ، لزم نفي المؤثر ونفي

--> ( 1 ) من ( ز ، س ) . ( 2 ) من ( س ) .